https://marocpress23.blogspot.com/

رهان الذاكرة والهوية في الابداع الغنائي المغربي: مظاهر التحول من "الفن رسالة" إلى "الفن سلعة/ترفيه"

 





رهان الذاكرة والهوية في الابداع الغنائي المغربي: مظاهر التحول من "الفن رسالة" إلى "الفن سلعة/ترفيه".
احدو محمد
إن الفن الأصيل، حين يلامس القضايا الكبرى للأمة، يتحول من مجرد إبداع جمالي إلى سجل تاريخي وذاكرة حية تنتقل عبر الأجيال. ويقدم المشهد الغنائي المغربي نموذجاً ساطعاً لهذه الوظيفة التاريخية، لاسيما في مواكبته لاحداث في تاريخ المملكة: كالمسيرة الخضراء في سبعينيات القرن الماضي. عندما نستمع اليوم إلى الإبداعات الغنائية حول المسيرة الخضراء التي جادت بها حناجر كبار الفنانين المغاربة حينها، يعود بنا الزمن إلى ما يسمى "زمن الغناء الجميل والإبداع الملهم". لم تكن تلك الأغاني، مجرد وصلات طربية، بل كانت بيانات فنية قوية صاغت الوعي الجمعي وعبأت النفوس. لقد نجحت هذه الملاحم الغنائية في التعبير عن جوهر الهوية الوطنية ونقلت العاطفة الجياشة والإحساس بالانتماء للوطن ، جاعلة منها وثيقة تاريخية حية تُرددها أجيال اليوم بكل حماس وكأنها أغاني الأمس القريب، مما يؤكد أن الفن الوطني الأصيل يظل فناً خالداً.
هذا فلم يقتصر دور الفن على القضايا الوطنية الكبرى وحسب، بل كان أيضاً منخرطاً بعمق في قضايا المجتمع؛ فقد مثلت المجموعات الغنائية التأسيسية كـناس الغيوان والمشاهب وجيل جيلالة، الصوت النقدي للجماهير، وقدمت غناءً وطنياً ملحمياً يناهض الفن الاستهلاكي ويؤرخ للأحداث والوقائع الاجتماعية والسياسية. كان فن هذه المجموعات بمثابة "الفرقة المسرحية الجوالة" التي تنتقد الظواهر السلبية وتدعو للتغيير، محولة الأغنية إلى رسالة واعية وملتزمة، وهو ما جعلها محوراً للدراسات الأكاديمية التي تتناول دورها في التوثيق الاجتماعي، كما تناولت أعمال باحثين في سوسيولوجيا الفن والموسيقى. وفي المقابل، يشهد المشهد الغنائي اليوم تحولاً جذرياً، حيث يطغى عليه غناء يهدف في الأساس إلى الترفيه والتسلية. لقد أصبح هذا الغناء، في غالبه، مدفوعاً بمتطلبات السوق وسرعة الاستهلاك الرقمي، مركزاً على الإيقاعات السريعة والموضوعات الفردية والعاطفية، مما قلص من مساحة "الأغنية الرسالية" التي كانت تؤرخ وتعبّئ. هذا التحول من "الفن رسالة" إلى "الفن سلعة/ترفيه" هو ما يميز التباين الواضح بين الأمس واليوم، وإن كان لا ينفي وجود محاولات فردية معاصرة للحفاظ على روح الالتزام.
عموما يظل تأثير الفن عميقاً سواء كان ملحمياً أو ترفيهياً، لكن الأغنية الوطنية والأغنية الملتزمة في حقبة الأمس، تقدم دليلاً لا يقبل الجدل على قوة الفن كآلية أساسية لحفظ الذاكرة، وتعزيز الهوية، وتعميق الحس الوطني لدى الأجيال المتعاقبة.
Comments
No comments
Post a Comment

Post a Comment

أكتب تعليقك إذا كان لديك اي ملاحظة حول منشوراتنا ومواضيع المدونة...

NameEmailMessage